الجصاص
453
أحكام القرآن
كان مجازا ، فإذا لا يصح إيجاب غسل الوجه مرتبا على المذكور في الآية لأجل إدخال الفاء عليه ، إذ كان المعنى الذي ترتب عليه الغسل موقوفا على الدلالة ، فهذا وجه يسقط به سؤال هذا السائل . والوجه الآخر : أن نسلم لهم جواز اعتبار هذا اللفظ فيما يقتضيه من الترتيب ، فنقول لهم : إذا ثبت أن " الواو " لا توجب الترتيب صار تقدير الآية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء ، فيصير الجميع مرتبا على القيام وليس يختص به الوجه دون سائرها ، إذ كانت " الواو " للجمع ، فيصير كأنه عطف الأعضاء كلها مجموعة بالفاء على حال القيام ، فلا دلالة فيه على الترتيب ، بل تقتضي اسقاط الترتيب . ويدل على سقوط الترتيب قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ الفرقان : 48 ] ومعناه : مطهرا ، فحيثما وجد ينبغي أن يكون مطهرا مستوفيا لهذه الصفة التي وصفه الله بها ، وموجب الترتيب قد سلبه هذه الصفة إلا مع وجود معنى آخر غيره ، وهذا غير جائز . ويدل عليه من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي حين علمه الصلاة وقال له : " إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله " وذكر الحديث ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وضع الوضوء مواضعه أجزأه ، ومواضع الوضوء الأعضاء المذكورة في الآية ، فأجاز الصلاة بغسلها من غير ذكر الترتيب ، فدل على أن غسل هذه الأعضاء يوجب كمال طهارته لوضعه الوضوء مواضعه . فإن قيل : إذا لم يرتب فلم يضع الوضوء مواضعه . قيل له : هذا غلط ، لأن مواضع الوضوء معلومة مذكورة في الكتاب ، فعلى أي وجه حصل الغسل فقد وضع الوضوء مواضعه فيجزيه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإكمال طهارته إذا فعل ذلك . ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز طهارته لو بدأ من المرفق إلى الزند ، وقال تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) فلما لم يجب الترتيب فيما هو مرتب في مقتضى حقيقة اللفظ فما لم يقتض اللفظ ترتيبه أحرى أن يجوز ، وهذه دلالة ظاهرة لا يحتاج معها إلى ذكر علة يجمعها ، لأنه قد ثبت بما وصفنا أن المقصد فيه ليس الترتيب ، إذ لو كان كذلك لكان ما اقتضى اللفظ ترتيبه أولى أن يكون مرتبا . وأيضا يجوز أن يقاس عليها بأنهما جميعا من أعضاء الطهارة ، فلما سقط الترتيب في أحدهما وجب سقوطه في الآخر . وأيضا لما لم يجب الترتيب بين الصلاة والزكاة ، إذ كل واحدة منهما يجوز سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى ، كان كذلك الترتيب في الوضوء لجواز سقوط فرض غسل الرجلين لعلة بهما مع لزوم فرض غسل الوجه . وأيضا لما لم يستحل جمع هذه الأعضاء في الغسل وجب أن لا يجب فيها الترتيب كالصلاة والزكاة ، وقد روي عن عثمان أنه توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم غسل رجليه ثم مسح ثم قال : " هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ " .